جان لوئيس بوركهارت

208

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ثم قادنى لبيت وجدت فيه حشدا من الناس يحيون ذكرى قريب لهم مات حديثا ، وكان هناك عدد من الفقهاء يقرءون القرآن في صوت خافت . ثم أقبل فقيه كبير فكان ذلك مؤذنا لهم بترتيل القرآن ترتيلا عاليا على نحو ما يفعل المقرئون في الشرق . وقد شاركتهم هذا الترتيل ، ومضينا فيه زهاء نصف الساعة حتى جئ لنا بالغداء ، وكان موفورا لأن القوم نحروا بقرة لهذه المناسبة . واستأنفنا التلاوة بعد أكلة شهية ، وأخرج شيخ منهم سلة ملئت بالحصى الأبيض فقرئت عليها الأوراد . وينثر هذا الحصى على قبر الميت كما رأيت على كثير من القبور الجديدة ، وقد استفسرت من الشيخ عن هذه العادة التي لم أرها تمارس في أي بلد إسلامي آخر ، فقال إنها لا تعدو أن تكون عملا طيبا مشكورا ، وإنها ليست فرضا محتوما ، إنما يعتقد القوم أن روح الميت إذا زارت قبره سرها أن تجد هذا الحصى فتستخدمه مسبحة تسبح عليها الخالق الصمد . ولما فرغنا من التلاوة بدأ النسوة يولولن ويعددن مناقب الفقيد . وهنا بارحت الحجرة ، وفيما أنا أستأذن رب البيت الكريم في الرحيل نفحنى ببعض ضلوع من اللحم المشوى لعشائى . ويزين نساء الدامر غرف جلوسهن بعدد كبير من الصحون الخشبية الواسعة يعلقنها على الجدران فتبدو كأنها الصور الكثيرة ، أما الأرض فيغطينها بالحصر الجميلة مختلفة الرسوم والألوان ، ولا غرو فالقوم خبيرون بصبغ خوص الدوم . كذلك رأيت بيض نعام وريش نعام أسود معلقا على الحائط فوق الباب للزينة . وعلى ضفة النيل الغربية تجاه الدامر قرية صغيرة تدعى الدامر غرب ، وتصلهما معدية بدائية الصنع هي جذع شجرة نبق منقور . وتلقى الزراعة في الدامر من العناية ما لا تلقاه في أي بلد آخر من دنقلة إلى شندى . فيروى الفلاحون الأرض ريا صناعيا بالسواقى على أعناق البقر كما يفعل أهل مصر ، ويحصلون بذلك على محصولين في السنة ، ولم تقاس الدامر من أهوال المجاعة ما قاسته جاراتها ، ولكن الجدري فتك بأهلها فتكا ذريعا . وأهم محاصيلها الذرة ، ويزرعون بعض القمح ولكنهم لا يصدرونه ، إنما يأكله كبار الفقهاء الذين تعلموا هذا الترف في أثناء مقامهم بمصر . كذلك تزرع البامية والمقادير الكبيرة